الشيخ الطبرسي
8
تفسير مجمع البيان
وارتكاب ما نهى عنه . وقيل ، معناه : اتقوا حقه أن تضيعوه . وقيل : اتقوا عتابه ، فكأنه قال : يحق عليكم أن تتقوا عقاب من أنعم عليكم بأعظم النعم ، وهي أن خلقكم من نفس واحدة ، وأوجدكم ، ومن عظمت عنده النعمى ، فهو بالتقوى أولى . وقيل إن المراد به بيان كمال قدرته ، فكأنه قال : الذي قدر على أن خلقكم من نفس واحدة ، فهو على عقابكم أقدر ، فيحق عليكم أن تتركوا مخالفته ، وتتقوا عقوبته . وقوله : ( الذي خلقكم من نفس واحدة ) : المراد بالنفس هنا : آدم عند جميع المفسرين ، وإنما لم يقل نفس واحد بالتذكير ، وإن كان المراد آدم ، لأن لفظ النفس مؤنث بالصيغة ، فهو كقول الشاعر : أبوك خليفة ، ولدته أخرى ، * وأنت خليفة ، ذاك الكمال ( 1 ) فأنث على اللفظ ، ولو قال من نفس واحد لجاز . ( وخلق منها زوجها ) : يعني حواء عليها السلام ، ذهب أكثر المفسرين إلى أنها خلقت من ضلع من أضلاع آدم عليه السلام ، ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : " خلقت المرأة من ضلع آدم عليه السلام ، إن أقمتها كسرتها ، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها " . وروي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : إن الله تعالى خلق حواء من فضل الطينة التي خلق منها آدم . وفي تفسير علي بن إبراهيم : من أسفل أضلاعه . ( وبث منهما رجالا كثيرا ) : أي نشر وفرق من هاتين النفسين على وجه التناسل رجالا . ( ونساء ) وإنما من علينا تعالى بأن خلقنا من نفس واحدة ، لأنه أقرب إلى أن يعطف بعضنا على بعض ، ويرحم بعضنا بعضا ، لرجوعنا إلى أصل واحد ، ولأن ذلك أبلغ في القدرة ، وأدل على العلم والحكمة . وقوله ( واتقوا الله الذي تساءلون به ) : قيل في معناه قولان : أحدهما أنه من قولهم أسألك بالله أن تفعل كذا ، وأنشدك بالله وبالرحم ، ونشدتك الله والرحم . وكذا كانت العرب تقول عن الحسن وإبراهيم وعلى هذا يكون قوله ( والأرحام ) عطفا على موضع قوله به ، والمعنى : انكم كما تعظمون الله بأقوالكم ، فعظموه بطاعتكم إياه . والآخر : إن معنى تساءلون به : تطلبون حقوقكم وحوائجكم فيما بينكم به والأرحام ، معناه : واتقوا الأرحام أن تقطعوها عن ابن عباس ، وقتادة ، ومجاهد ، والضحاك ،
--> ( 1 ) أورده الفراء في معاني القرآن : 1 / 208 .